خالد المنصوريVIEW PROFILE →
اقتصاد الإمارات ينمو 3 بالمئة في الربع الأول من 2026 بقيادة القطاع غير النفطي رغم اضطرابات المنطقة
سجل الاقتصاد الإماراتي نموا بنسبة 3 بالمئة في الربع الأول من 2026 ليبلغ 485 مليار درهم، مدفوعا بقطاع غير نفطي يشكل الآن 79.4 بالمئة من الاقتصاد، وبقفزة لافتة في الأنشطة المالية بلغت 17.3 بالمئة.
أظهر الاقتصاد الإماراتي قدرة لافتة على الصمود في مطلع عام 2026، محققا نموا بنسبة 3 بالمئة خلال الربع الأول من العام. جاء هذا الأداء القوي في وقت شهدت فيه المنطقة توترات وصراعات، ما يجعل الرقم أكثر دلالة على متانة الاقتصاد المحلي. المحرك الأساسي لهذا النمو لم يكن النفط، بل مجموعة واسعة من القطاعات غير النفطية. هذه النتيجة تعزز الرواية التي تروج لها الدولة منذ سنوات حول نجاح خطط التنويع الاقتصادي.
تكشف الأرقام حجم هذا التقدم بوضوح. فقد بلغ الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي نحو 485 مليار درهم في الربع الأول من 2026، أي ما يعادل قرابة 132 مليار دولار. ويمثل ذلك ارتفاعا من 470.9 مليار درهم في الفترة نفسها من العام الماضي. هذه الزيادة بنسبة 3 بالمئة تعكس استمرار الزخم رغم الظروف الإقليمية غير المستقرة.
يبقى القطاع غير النفطي هو النجم الحقيقي في هذه الصورة. فقد نما هذا القطاع بنسبة 4.8 بالمئة، وارتفعت مساهمته في الاقتصاد الوطني إلى 79.4 بالمئة، صعودا من 78 بالمئة في الربع الأول من العام السابق. هذا الرقم يعد من أوضح المؤشرات على أن الإمارات باتت تعتمد على النفط بدرجة أقل من أي وقت مضى. التنويع لم يعد شعارا، بل واقعا تعكسه الأرقام الرسمية.
القطاع المالي يقود النمو

عند النظر إلى تفاصيل القطاعات، يبرز الأداء الاستثنائي للأنشطة المالية والتأمين. فقد كانت هذه الأنشطة الأسرع نموا في الاقتصاد خلال الربع، مسجلة قفزة بنسبة 17.3 بالمئة على أساس سنوي. تلاها قطاع الإنشاءات بنمو بلغ 8.1 بالمئة، ثم أنشطة الصحة والعمل الاجتماعي بنسبة 7.7 بالمئة، وقطاع المعلومات والاتصالات بنسبة 5.9 بالمئة. هذا التنوع في محركات النمو يقلل من اعتماد الاقتصاد على قطاع واحد.
صعود القطاع المالي بهذه الوتيرة ليس مجرد رقم عابر. فهو يعكس ترسيخ مكانة الإمارات كمركز إقليمي متنام للأعمال والخدمات المالية، يجذب الشركات ورؤوس الأموال من مختلف أنحاء العالم. مدن مثل دبي وأبوظبي تحولت إلى وجهات مفضلة للمؤسسات المالية الباحثة عن الاستقرار والبنية التحتية المتطورة. ومع تدفق المزيد من الكفاءات والاستثمارات، يتعزز هذا الدور أكثر فأكثر.
ولا يقل قطاع الإنشاءات أهمية عن الخدمات المالية في دفع عجلة النمو. فنموه بنسبة 8.1 بالمئة يعكس استمرار مشاريع التطوير والبنية التحتية في مختلف الإمارات، من الأبراج السكنية إلى المرافق التجارية والسياحية. وهذا النشاط العمراني يترافق عادة مع تدفق السكان والاستثمارات، ما يخلق دورة من الطلب والتوظيف. وبذلك يجتمع القطاعان المالي والعقاري ليشكلا ركيزتين أساسيتين للاقتصاد غير النفطي.
القطاع غير النفطي بات يشكل 79.4 بالمئة من الاقتصاد الإماراتي، صعودا من 78 بالمئة قبل عام.
صمود في وجه اضطرابات المنطقة
التجارة الخارجية أضافت بدورها دعامة أخرى لهذا النمو. فقد قفزت الصادرات غير النفطية بنسبة 23.9 بالمئة خلال النصف الأول من 2026، لتبلغ قيمتها نحو 452.8 مليار درهم. هذا الارتفاع الكبير يشير إلى طلب خارجي قوي على المنتجات والخدمات الإماراتية. كما يؤكد أن قدرة الدولة على التصدير لم تعد مرتبطة بالنفط وحده، بل تشمل سلعا وخدمات متنوعة.
اللافت أن هذا الأداء تحقق رغم أجواء إقليمية بالغة الصعوبة. فقد شمل الربع الأول شهرا كاملا من الحرب مع إيران، تخللته هجمات يومية بالصواريخ والطائرات المسيرة. ومع ذلك، بقي التأثير الاقتصادي محدودا ومقتصرا على عدد قليل من الأنشطة، بحسب التقارير. ويتوقع أن يشهد الاقتصاد انتعاشا أقوى في النصف الثاني من العام مع تراجع حدة التوترات.
أما على صعيد التوقعات السنوية، فالصورة تبدو مشجعة. تشير تقديرات المصرف المركزي الإماراتي إلى نمو قد يصل إلى نحو 5.6 بالمئة لعام 2026، فيما يتوقع صندوق النقد الدولي نموا يقارب 4.8 بالمئة. ويشدد الصندوق على أن الاحتياطات المالية للدولة تبقى قوية بشكل استثنائي، مع تضخم يتوقع أن يستقر عند مستوى يمكن التحكم به قرب 2.1 بالمئة. هذه المؤشرات مجتمعة ترسم صورة اقتصاد متين ومستقر.
في المحصلة، تقدم الإمارات نموذجا على قدرة اقتصاد خليجي على النمو وسط الصدمات الجيوسياسية بالاعتماد على قطاعات متنوعة بدلا من النفط وحده. يبقى التحدي الأكبر في بقية عام 2026 هو الحفاظ على هذا الزخم في ظل استمرار التقلبات في المنطقة. وإذا صمد المحرك غير النفطي كما فعل في الربع الأول، فإن الدولة تسير نحو واحد من أقوى أعوامها اقتصاديا. وفي هذه المعادلة الجديدة، أصبح النفط عنصرا مساندا بعد أن كان النجم الأول.





