خالد المنصوريVIEW PROFILE →
شبكة «سيبا»: كيف حوّلت اتفاقيات الشراكة الاقتصادية الإمارات إلى مركز تجاري لا غنى عنه
بلغت التجارة غير النفطية للإمارات نحو 1.937 تريليون درهم في النصف الأول من 2026، مدفوعةً باستراتيجية طموحة قوامها 38 اتفاقية شراكة اقتصادية شاملة. نظرة معمّقة على شبكة «سيبا» التي أعادت رسم خريطة تجارة الدولة مع العالم من آسيا إلى كندا.
في وقت تسعى فيه اقتصادات المنطقة إلى تنويع مصادر دخلها بعيداً عن النفط، برزت دولة الإمارات بنموذج لافت يعتمد على الانفتاح التجاري الذكي. فبدلاً من الاكتفاء بموقعها الجغرافي المميز، اختارت الدولة أن تنسج شبكة واسعة من الاتفاقيات التجارية التي جعلتها حلقة وصل لا غنى عنها في تجارة العالم بأسره.
أرقام قياسية للتجارة غير النفطية
تكشف الأرقام الأخيرة عن حجم النجاح الذي حققته هذه الاستراتيجية بشكل ملموس. فقد بلغت قيمة التجارة الخارجية غير النفطية للدولة نحو 1.937 تريليون درهم خلال النصف الأول من عام 2026 وحده، وهو رقم ضخم يعكس مدى حيوية الاقتصاد الوطني وقدرته على النمو في مختلف الظروف والتحديات الإقليمية والعالمية.
ولم يقتصر هذا الأداء القوي على حجم التبادل التجاري الكلي فحسب، بل شمل أيضاً جانب التصدير. إذ سجّلت الصادرات غير النفطية للإمارات ما يقارب 452.8 مليار درهم خلال الفترة نفسها، ما يدل على أن الدولة لم تعد مجرد سوق استهلاكية أو معبر للبضائع، بل أصبحت منصة إنتاج وتصدير حقيقية نحو الأسواق العالمية.

هذه الإنجازات لم تأتِ من فراغ، بل هي ثمرة رؤية اقتصادية بعيدة المدى تبنّتها الدولة منذ سنوات. فالهدف المعلن هو بناء اقتصاد متنوع ومرن لا يعتمد بشكل رئيسي على عائدات النفط، وهو ما يتطلب فتح أبواب جديدة للتجارة والاستثمار مع أكبر عدد ممكن من الشركاء حول العالم.
شبكة سيبا تتوسع عالمياً
يكمن سر هذا التحول في برنامج طموح يُعرف باسم اتفاقيات الشراكة الاقتصادية الشاملة، أو ما يُختصر بمصطلح سيبا. فمنذ إطلاق هذا البرنامج في سبتمبر من عام 2021، تمكنت الإمارات من توقيع 38 اتفاقية من هذا النوع، لتمتد شبكتها التجارية عبر قارات آسيا وأفريقيا وأوروبا وغيرها من الأسواق الواعدة.
الأثر المباشر لهذه الاتفاقيات ظاهر في حجم التبادل التجاري مع الدول الموقّعة عليها. فقد وصلت التجارة مع الدول التي دخلت معها اتفاقيات سيبا حيّز التنفيذ إلى نحو 304.3 مليار درهم في النصف الأول من العام 2026، وهو ما يؤكد أن هذه الأدوات ليست مجرد وثائق رسمية، بل محركات فعلية للنمو.
تقوم فكرة هذه الاتفاقيات على تسهيل تدفق السلع والخدمات وخفض الرسوم الجمركية وإزالة العوائق أمام الاستثمار المتبادل. ومن خلالها تضمن الإمارات وصولاً تفضيلياً لمنتجاتها إلى أسواق ضخمة، وفي المقابل تجذب رؤوس الأموال والشركات الأجنبية للاستقرار على أراضيها والاستفادة من موقعها كبوابة للمنطقة بأكملها.
الهند وكندا نموذجان للنجاح
تُعد الهند من أبرز الأمثلة على نجاح هذه الاستراتيجية، فهي من أوائل الدول التي طبّقت اتفاقية شراكة اقتصادية مع الإمارات. وقد أثمرت هذه الشراكة عن نتائج مبهرة، حيث بلغت قيمة التجارة غير النفطية بين البلدين نحو 107.5 مليار درهم خلال النصف الأول من عام 2026، في تجسيد واضح لعمق العلاقات الاقتصادية.
ولا تتوقف الإمارات عند شركائها التقليديين، بل تواصل توسيع دائرتها لتشمل أسواقاً جديدة في الغرب. ففي شهر يوليو من عام 2026، أعلنت الدولة عن اختتام مفاوضات اتفاقية شراكة اقتصادية مع كندا، واللافت أن ذلك تم في أقصر مدة زمنية يشهدها البرنامج على الإطلاق، ما يعكس كفاءة الجهاز التفاوضي الإماراتي.
وتحمل هذه الاتفاقية مع كندا في طياتها إمكانات كبيرة للنمو المستقبلي. فقد بلغ حجم التبادل التجاري الثنائي بين البلدين نحو 4.2 مليار دولار أمريكي في عام 2025، ومن المتوقع أن ترتفع هذه الأرقام بشكل ملحوظ بمجرد دخول الاتفاقية حيّز التنفيذ الكامل وبدء جني ثمارها التجارية.
بنية تجارية تصنع المستقبل
إن ما تقوم به الإمارات يتجاوز مجرد توقيع اتفاقيات متفرقة، فهو بمثابة بناء منظومة تجارية متكاملة تجعل من الدولة نقطة التقاء أساسية بين الشرق والغرب. هذه البنية المتينة تمنح الاقتصاد الوطني مناعة أكبر ضد التقلبات، وتقلل من اعتماده على أي سوق أو قطاع واحد بعينه.
كما أن هذا النهج يعزز من مكانة الدولة كمركز عالمي للتجارة والخدمات اللوجستية والمال. فكلما زاد عدد الشركاء التجاريين وتنوعت الأسواق، ترسخت قدرة الإمارات على لعب دور الوسيط والمنصة التي تمر عبرها السلع ورؤوس الأموال، وهو دور يحمل قيمة اقتصادية واستراتيجية هائلة على المدى الطويل.
وفي نهاية المطاف، تبدو استراتيجية سيبا بمثابة رهان ذكي على المستقبل. فبينما تتجه اقتصادات كثيرة نحو الحمائية والانغلاق، تسير الإمارات في الاتجاه المعاكس تماماً، مراهنةً على أن الانفتاح والتكامل مع العالم هما الطريق الأضمن نحو الازدهار المستدام في حقبة ما بعد النفط.






